أخبار وطنية رسالة من هشام سكيك الى أحمد ابراهيم: ما أفظع كلمة "كان" هذه!
توجه القيادي بحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي هشام سكيك برسالة الى الأمين العام السابق لحزب المسار أحمد ابراهيم بمناسبة مرور عام على رحيله.
وهذا ما جاء في الرسالة:
"رحلت يا احمد... بكل هدوء وطمأ نينة !
ليست المرة الأولى التي يتسنى لي فيها ها الحديث عن احمد... فقد سبق أن تحدثت عنه، عن خصاله، عن مميزات شخصيته... على الاقل في ثلاث مناسبات هامة :
ـ الأولى عندما تقدم احمد أمام لجنة علمية للإحراز على "التأهيل الجامعي" في اللسانيات بكلية الآداب بمنوبة.
كنت أحد أعضاء اللجنة وبصفتي مقررا كان من دوري تقديم المترشح وملفه العلمي والبيداغوجي.
فكانت فرصة سانحة، أحسست فيها بابتهاج حقيقي أن "أجبر" على الافصاح - وأمام الملأ الحاضر في المناقشة، من أساتذة وطلبة وأصدقاء وأفراد عائلة احمد- عما كنت أكنه من مشاعر التقدير والمحبة والاعجاب للأكاديمي وما قدمه من اعمال علمية وللمربي وما أغدقه على طلبته وطالباته من إحاطة وسخاء.
ـ المناسبة الثانية توفرت أيضا بنفس الكلية سنة 2006 لما نظم له طلبته في الدكتورا ندوة علمية بمناسبة السنة الستين من عمره. وقد ارتأوا- نظرا لما كانوا يعرفونه من علاقة خاصة بيني وبين احمد على جميع الاصعدة -أن يطلبوا مني أن أختتم الندوة بالحديث باسمهم عن المحتفى به.
كان الطلب مفاجئا لي، لكني استجبت بكل تلقائية وامتنان وذكرت من جديد بخصاله العلمية والبيداغوجية وكذلك هذه المرة بخصاله النضالية والسياسية والإنسانية.
ـ أما المناسبة الثالثة فكانت في إطار حركة التجديد التي ننتمي إليها وبمناسبة أول دورة لمجلسها المركزي تنعقد وهو وزير للتعليم العالي والبحث العلمي. فقد أخذت الكلمة لأنوه بكل مشاعري بما قدمه احمد ابراهيم الوزير للجامعة وللبلاد، وعن طريقه حركة التجديد وهو أمينها العام، من إنجازات ثورية في الأسابيع الأولى من توليه الوزارة وذلك بأن حقق- أضافة إلى رفع المظالم التي سلطت على عديد الطلبة والأساتذة لأسباب سياسية- مطلبين جوهريين ناضل من أجلهما أجيال من الجامعيين ومن الطلبة وهما: سحب قوات الأمن من الجامعة وغلق المراكز الأمنية التي كانت تشوه مداخل الكليات والمعاهد وإلغاء سلك الأمن الجامعي نهائيا وتعميم الانتخاب لتعيين جميع المسؤولين عن المؤسسات الجامعية، بما في ذلك المعاهد والمدارس العليا ورئاسات الجامعات.
لكنني اليوم أجد نفسي شبه عاجز عن الحديث عن احمد و كم ترددت قبل أن أقدم على تقديم هذه الشهادة !
فالأوضاع اختلفت عن المرات السابقة اختلافا موجعا: كنت أتحدث عن احمد بحضوره، كنت أتحدث اليه في الوقت الذي اتحدث عنه، فيبادلني النظرات والحركات والمشاعر.
أما اليوم، فالمفروض أن أتكلم عنه بصيغة "كان: كان كذا وكذا..."!؟
ما أفظع كلمة "كان" هذه!
لو كان احمد حاضرا لذكَرني أن النحاة العرب - وكان شغوفا بدراستهم وطالما استلهم منهم مقارباته اللسانية وتحادثنا عن عمق بعض نظرياتهم وحداثتها ! - قد ميزوا بين "كان" و"كان" !
فقد ذكروا أن "كان" يمكن أن تدل على "الحال" أي لوصف الواقع، كما في الآية "كنتم خير أمة أخرجت للناس".
وقد تدلَ على الدَوام والاستمرار، كما في الآية "كان الله غفورا رحيما".
نعم، هذا صحيح. يا احمد! لكني أعلم أيضا أنني لو استعملت "كان" اليوم في الحديث عنك ، فلا مناص أن استعملها بمعنى ثالث، يدل، كما يقول نفس النحاة، على "المضيّ والانقطاع" أي عن أمر مضى وانتهى وانقطعت السبل الى الاتصال به!
لا... لا قدرة لي على تحمَل مجرد فكرة هذا "المضي وهذا الانقطاع" ! لست مستعدا للرضوخ لفكرة "الصفحة التي طويت دون رجعة"...
لا يا أحمد! إني مازلت أشعر بحضورك الى اليوم. حضور مطمئن وثري بتعدد أوجه ما يجمعنا.
- فقد عشنا زميلين قريبين جدا من بعضنا:
تخصصنا في نفس الاختصاصات - اللغة والآداب الفرنسية و اللسانيات. ودرَسنا مع بعضنا لأكثر من 20 سنة في نفس الكلية، كلية منوبة، ونفس القسم، قسم الفرنسية. وكانت تجمعنا باستمرار نفس لجان الامتحانات ولجان الترقية والانتداب...
طلبتك يشهدون كل يوم على ما زودتهم به من معارف ومنهجيات وأخلاقيات جعلت منهم أعمدة لأقسام الفرنسية واللسانيات في جميع معاهد البلاد وكلياتها.
زملاؤك يشعرون إلى اليوم بدفء صداقتك وخفة روحك. موظفو الكلية وعملتها معتزون بمعاشرتك لهم وبتبادلك معهم الاحترام والمحبة والتلقائية.
- وعشنا رفيقي نضال:
نضال نقابي في صفوف الاتحاد العام التونسي للشغل وخصوصا نضال سياسي طويل وثري في صفوف الحزب الشيوعي التونسي، الذي انخرطنا فيه في العشرينات من عمرنا، ثم في صفوف حركة التجديد ثم حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي اللذان ساهمنا في بعثهما.
مسيرة نضالية طويلة عرفت فيها بثباتك وشجاعتك... نضال طويل ضد الاستبداد والفساد ، من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، من أجل الحق في الشغل والصحة والدراسة والثقافة... نضال ثوري بالمعنى العميق ـ لا التهريجي للكلمة- تجسم في مقولات لم ينقطع عن ترديدها المساريون الى اليوم، مثل:"كونوا واقعيين، أطلبوا المستحيل"! أو "إنَ بعد العسر... يسارا". كما أنك انت من اقترح شعار التجديد الذي تبناه المسار، وهو: "مواطنون احرار في مجتمع عادل".
وبعد الثورة جعلك حبك العميق لهذا الوطن لم تتردد، بدعم قوي من رفاقك في التجديد، في بذل كل ما في وسعك لخدمته على رأس التجديد ثم المسار وعلى رأس وزارة التعليم العالي التي تركت فيها بصمة لامعة وكذلك في المجلس الوطني التأسيسي الذي ابليت فيه داخل المجلس وفي ساحة باردو وشارع بورقيبة... ومع رفاقك المساريين والديمقراطيين، البلاء الذي يشهد به الجميع و الذي لن يمحى من تاريخ بلادنا فساهمت في جعل دستورنا دستورا مدنيا ديمقراطيا وحداثيا ضامنا للحريات والمساواة بين الرجال والنساء وبين الجهات والفئات.
لن ينسى التونسيون أبدا ما اصطبغت به مواقفك وسيرتك في المجلس من رفعة أخلاق وثبات على المبادئ ودفاع عن قيم الحق والعدل وعن الحسابات السياسية الضيقة و المنافع المادية.
وهنا أرى لزاما علي أن انوه بجانب من نضالاتك السياسية لا يعرفه الناس بالدرجة الكافية ـ أعني نضالك من اجل القضية الفلسطينية التي شكلت طوال حياتك إحدى أهم اهتماماتك حتى انك كرست لها أيامك الاخيرة حيث حرصت على تنظيم تظاهرة كبيرة بمناسبة يوم الارض و أبيت إلا أن تشرف عليها بنفسك وتشارك في مختلف فعالياتها ـ وذلك رغم تدهور اوضاعك الصحية تدهورا خطيرا ورغم علمك التام بذلك وبأن الايام أصبحت معدودة أمامك.
وقد ترجلت أيها الفارس فعلا بعد أيام قليلة من تلك التظاهرة وانصرفت في هدوء كامل كأنك شعرت أنك بذلت أقصى ما أمكن أن يبذله الانسان من أجل القيم التي كرس لها حياته.
- و إضافة الى الزميل القدير والرفيق الصَلب، فقد فقدت فيك بالخصوص صديقا عزيزا بل أخا أصغر متقاربا في العمر... "راس على راس"... صداقة و أخوة امتدت على اكثر من 45 سنة عرفنا فيها معا الحلو والمر، الافراح والأتراح، الانتصارات والإخفاقات، القناعات والشكوك، التفاهمات العميقة والخلافات الصاخبة.
رحلت يا احمد، و بكل هدوء و طمأنينة !
ولعل من عوامل طمأنينتك في أيامك الأخيرة إيمانك القوي بأن هناك من سيحفظ ودَك ويهتدي بمسيرتك وينتهج سبيلك ويواصل المشوار... خصوصا من بين الشباب، كما تجسم ذلك عندما زرناك مع وفد منهم أسابيع قليلة قبل رحيلك، ولاحظنا جميعا ان تلك الزيارة قد بعثت فيك انتعاشة جديدة وشعورا بالرضاء والارتياح رسم على شفتيك تلك البسمة العريضة و الجميلة التي تفتح لك قلب كل من اقترب منك.
يا أحمد !
فقدت فيك الزميل والرفيق والصديق و الشقيق ـ و لي في هذا المضمار عتاب أسرَ به لك ، وقد تعودت أن أصارحك برأيي ...- ألومك على أنك خالفت »قانون الطبيعة « فتعجلت أمرك وسبقتني إلى الرحيل... بينما كنت مطمئنا تمام الاطمئنان أنك أنت الذي ستقول في كلمة الوداع عندما تدق الساعة...
ما يخفف قليلا من وجعي إني على يقين أنك ستبقى بجانبنا، بجانب زملائك ورفاقك وأصدقائك وأحبابك وعائلتك الصغيرة والكبيرة، في كل درس أو ندوة يعقدونها، في كل وقفة أو مسيرة نضالية ينظمونها، في كل لمَة عائلية يجتمعون فيها.
هشام سكيك